ابن بسام

178

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

الحقّ في معرضه ، وبدا لي أنّ ما خاطبتك به لم يوافق قبولا ، ولا كان على الصدق محمولا ، وليس الكذب من شيمي ، ولا المذق - بحمد اللّه - من كلمي ، وباللّه ما خاطبتك إلّا شحّا ، ولا أسمعتك إلّا نصحا ، فمنيت من قبولك / بسوق كاسدة ، ومن قبلك ب « ربّ صلف تحت الراعدة » ، وكلّا واللّه ما رعدت لنا سماء ، ولا تكدّر لنا ماء ، ولا قصدت بخطابي مقصد التهديد ، فالصدق ينبي عنك لا الوعيد [ 1 ] ، بل خاطبتك بقلب سليم ، وثبّت لك على عهد كريم . وفي فصل منها : ومن العجب قولك : اقدح لي أضيء لك ، ولقد قدحنا لكم فأظلمتم ، وحفظنا ذمامكم فضيّعتم ، ووصلنا فهجرتم ، وقربنا منكم فبعدتم ، وربّ رسالة أنشأناها رغبة فرغبتم عنها ، ورسول ملطف قصد جهتكم طار بجناح الخزي [ 2 ] منها ، بعد الترقيب عليه ، وإظهار التثاقل إليه ، ونحن على ذلك نفتل في الغارب والذروة ، ونزداد وصلا على الجفوة ، ونلين على القسوة ، ونصبر للأذى ، ونغمض على القذى ، إن عاتبناكم لم تقلعوا ، وإن استعتبناكم لم ترجعوا ، بل تركبون الهياج ، وتلزمون [ 3 ] اللجاج . ومن أغرب ما به احتججتم ، وأعجب ما به لهجتم ، تكرّر فلان علينا ، وتردّده لدينا ، كأنكم جهلتم القوم وأطماعهم ، ولم تعلموا تطرّقهم [ 4 ] وانتجاعهم ، وأنهم يتعلّلون بأدنى سبب في المراسلة ، امتراء لأخلاف العطاء ، وذريعة لاستجزال الحباء ، وقد شهر هذا من فعلهم ، في كلّ جهة تكون من سلمهم [ 5 ] ؛ فما [ 63 ب ] بالنا نخصّ بهذه اللائمة وجنايتها [ 6 ] عليكم ؟ والإنصاف يقلب مذمّتها عليكم ، ألم تسلموا من / كان بكم مشتدّا [ 7 ] بعد العهود المؤكّدة ، والمواثيق المشدّدة ؟ فاحتلّ العدوّ - قصمه اللّه - جهة لم تخطر [ 8 ] بباله ، واستصرختم فلم تصرخوا ، واستنجدتم فلم تنجدوا ، والنعم تنتسف ، والستور

--> [ 1 ] انظر في هذا المثل ، فصل المقال : 448 ، والميداني 1 : 269 ، والعسكري 2 : 31 . [ 2 ] ب م : الجري . [ 3 ] د ط س : وترسلون . [ 4 ] التطرق : اتخاذ الطريق . [ 5 ] د ط س : في سلفهم . [ 6 ] د ط س : وخبائثها . [ 7 ] د ط س : مستبدا . [ 8 ] ب م : تختطر .